يثير الفيديو الذي نشره الناطق باسم جيش الـ.ـعـ.ـدو في ١٩ كانون الأوّل ٢٠٢٥،
والمتضمّن ما يُقدَّم على أنّه "اعتراف" للأسير اللبناني عماد أمهز، إشكاليات قانونية جوهرية تتجاوز هوية الشخص المصوَّر أو طبيعة التهم الموجَّهة إليه.
فالقانون الدولي الإنساني يضع قيوداً صارمة على كيفية معاملة المحتجزين، وعلى وجه الخصوص في ما يتعلّق باستخدام أقوالهم أو تصويرهم أو نشر مواد تتضمّن تصريحاتهم في سياق احتجاز قسري.
بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيّما المادة الثالثة المشتركة بينها، يُحظر بشكل مطلق تعريض أي شخص محتجز لمعاملة مهينة أو حاطة بالكرامة، أو ممارسة أي شكل من أشكال الإكراه، سواء كان جسدياً أو معنوياً، بهـ.ـدف انتزاع معلومات أو اعترافات.
ولا يشترط هذا الحظر إثبات التعذيب بالمعنى التقليدي، إذ يكفي أن يكون الشخص في وضع احتجاز غير متكافئ، وتحت سلطة الجهة التي تقوم بالتصوير والنشر، لكي يُعدّ أي "اعتراف" موضع شبهة قانونية جدّية.
إن تصوير أسير وبث أقواله على الملأ، خصوصاً عندما تُقدَّم هذه الأقوال بلغة الجهة المحتجِزة ومصطلحاتها السياسية والأمنية، يشكّل بحدّ ذاته مساساً مباشراً بالكرامة الإنسانية. كما أنّ هذا النشر العلني يضرب مبدأ "قرينة البراءة"،
ويحوّل الموقوف من شخص يتمتّع بحقوق قانونية إلى أداة في حملة إدانة إعلامية مسبقة، خارج أي إطار قضائي مستقل أو ضمانات محاكمة عادلة.
تزداد الإشكالية تعقيداً عندما يتم نشر هذه المواد بعد مرور وقت طويل على الاعتقال، من دون أي توضيح لظروف الاعتقال أو المسار القانوني الذي خضع له الأسير.
ففي هذه الحالة، ينتفي أي ادّعاء بوجود ضرورة أمنية آنية، ويصبح النشر فعلاً سياسياً وإعلامياً خالصاً، يندرج في إطار الدعاية الحر بية المعادية أكثر ممّا يندرج في إطار التوثيق أو التحقيق.
ثانياً: التأطير الخطابي لأسئلة المحقّق وإجابات الأسير أمهز
لا يمكن تصوير هذا النوع من الفيديوهات على أنّه تسجيل طبيعي لعــ..ـملية استجواب، إذ إنّ البنية الخطابية للأسئلة والإجابات تكشف عن تصميم مسبق يهـ.ـدف إلى إنتاج خطاب بعينه، لا إلى استجلاء الوقائع.
فأسئلة المحقّق، كما يظهر من طبيعتها ونبرتها، لا تُطرَح بصيغة مفتوحة أو استكشافية، بل تأتي في الغالب محمَّلة بافتراضات جاهزة، وتدفع الأسير إلى تأكيد سردية محدَّدة سلفاً.
أحد أبرز مؤشّرات هذا التأطير هو فرض القاموس الإســـ..ـرائيلي على لسان الأسير المستجوَب.
فاستخدام مصطلحات عسـ..ـكرية وأمنية تنتمي حصراً إلى خطاب جيش الـ.ـعـ.ـدو لا يمكن فهمه بوصفه خياراً لغوياً بريئاً، بل هو آلية لإعادة تشكيل الرواية من داخلها، بحيث يبدو الأسير وكأنّه يتبنّى توصيف الجهة التي تعتقله، ويعيد إنتاج خطابها من موقع الخاضع لا الشاهد الحر.
هذا التحوّل في اللغة يشكّل قرينة قوية على الإكراه المعنوي، حتى في غياب أي دليل على عنف جسدي.
كذلك، تُظهر بنية الأسئلة توجُّهاً واضحاً لنقل التركيز من أفعال فردية محدَّدة إلى الإطار التنظيمي والجماعي الأوسع.
فبدلاً من مساءلة الأسير عن واقعة بعينها، يتم دفعه إلى الحديث عن "الدور" و"البنية" و"الهيكل"، بما يخدم هـ.ـدفاً سياسياً يتمثّل في تجريم الجماعة ككل، لا في مساءلة فرد على فعل معيّن قام به.
بهذا المعنى، يتحوّل الاستجواب إلى أداة لتعميم الاتهام وتوسيع دائرته، بما يسهّل لاحقاً تبرير إجراءات عسـ..ـكرية أو أمنية أوسع، أو توفير ذخيرة هـ..ـجومية لجهات لبنانية وعربية معادية لحـ.ـزب الله.
أمّا الإجابات، فتُصاغ على نحو يجعلها صالحة للاقتطاع وإعادة الاستخدام. فهي قصيرة، تقريرية، ومجرَّدة من السياق الزمني والظروف المحيطة،
ما يسمح بإعادة توظيفها في مواد إعلامية لاحقة، أو إدراجها ضمن سرديات رسمية من دون الحاجة إلى الرجوع إلى سياقها الأصلي.
هنا، لا يعود الكلام ملكاً للمتكلّم، بل مادّة خام في يد الجهة التي تملك سلطة المونتاج والنشر.
يُضاف إلى ذلك إلغاء السياق الزمني بشكل متعمَّد. فإظهار "اعترافات" بعد أكثر من عام على الاعتقال، من دون أي إشارة إلى ما جرى خلال فترة الاعتقال، يخلق انطباعاً زائفاً بالآنية، ويمنع الجمهور من طرح الأسئلة الجوهرية المتعلّقة بظروف التصوير والضغوط المحتملة التي مورست على الأسير أمهز طوال تلك المدّة.
والأهم من كل ما سبق، تُثبت عــ..ـملية نشر هذا الفيديو، في ظلّ الظروف والنقاش الدائر في الفضاء العام اللبناني حالياً، أنّ جيش الـ.ـعـ.ـدو يحاول توفير مادّة لأطراف لبنانية وعربية منخرطة في معركة الهـ..ـجوم على المـ.ـقاومة وبيئتها منذ مدّة،
وقد لوحظ تكرار بث رسائل مشابهة لناطق جيش الـ.ـعـ.ـدو مؤخراً.
اعلام الوصاية بفرعيه اللبناني والعربي استند الى هذه الاعترافات وسوق لها بصفتها سبقا صحافيًا عاديًا من دون محاولة التشكيك بها او بظروف انتزاعها،
وقدّمها للرأي العام تماما كما أخرجها جيش الـ.ـعـ.ـدو فتحول إلى مجرّد ناشر بل مروّج للمحتوى الدعائي الذي يصنعه جيش الاحـ.ـتلال.



